(يصوب النقد من عقود للأحزاب القائمة وهو نقد أقرب إلى النكاية بها لا الإصلاح فيها. وبدا الحديث عن الأحزاب في خطابنا السياسي والشبابي خاصة بمثابة سقم منها بل من الحزبية على إطلاقها. وهذا منزلق يقترب بنا من شعواء المستبدين كارهي الأحزاب ومشمعي دورها. فكل انقلابي بدأ استبداده بحل الأحزاب بزعم لغوها فجورها. ثم جاءنا بالحزب الواحد أو حزب الدولة وعينك ما تشوف إلا النور وإلا اللغو وإلا الفجور. وكان عميد المستبدين القذافي يقول من تحزب خان. وهكذا فالتكريه في الأحزاب هي عقيدة الديكتاتور.

تجد أدناه محاولة قديمة مني لإصلاح الحزب من جهة صحافته التي اسميها "صحافة لسان الحال". أنشرها لأنني رأيت أن بعض الأحزاب بدأت تصدر صحفاً لسان حالها ناهيك من الحزب الشيوعي الذي واظب على إصدار الميدان، لسان حاله، منذ عودته للنشاط علناً. وأكثر مرادي من إعادة نشر كمتي هو الكشف عن مصادر واقعية لإصلاح الأحزاب القائمة أو تلك المنتظرة. فالأحزاب من مواعين الدمقراطية لا فكاك. ومن ظن، وهو الشديد الاعتداد بالدمقراطية، أن بوسعه الاستغناء عنها إنما يستبق المستبد المنتظر ويسوي له الميدان).

إلى المقال القديم،
أحزابنا بحاجة الي إرساء عادة الديمقراطية في حياتها الداخلية. وكنت قد نظرت منذ عهد في آخر الثمانينات في مسألة صحف الأحزاب المعروفة ب "لسان الحال" وتساءلت إن كانت أداة مناسبة لتمكين تلك العادة. ولم تستوقفني صحف الأحزاب الطائفية مثل "صوت السودان والنيل والعلم والأمة" التي لم تصادف قبولاً بين القراء منذ الديمقراطية الثانية مما جعل الإصرار على نشرها مظهراً فارغاً لسلطان الحزب. وقد خلصت بعد متابعة دقيقة لما تنشره صحيفتا "الميدان" الشيوعية و"الراية" الاسلامية الي أن الحزبين ربما انتفعا أكثر بالكف عن نشر الصحيفتين وأعادا التفكير من جديد في وسائط إعلامهما.

فالصحيفتان هما حامل خط الحزب لا الجدل حوله حتى أنني رحبت يوماً في عمودي "مع ذلك" بجريدة الخرطومـ قبيل انقلاب الإنقاذ، بحالة استثنائية في جريدة الراية عبر صحفيون فيها عن آراء بخلاف خط الجبهة الإسلامية. وقد بلغ تقيد جريدة الراية بخط الحزب حداً اخترعت معه نظاماً سقيماً لقياس الرأي تنصر به ذلك الخط ظالماً كان أو مظلوما.أما الميدان فلي تجربة شخصية معها في منتصف الستينات صادرت به حقي في النقاش المفتوح حول ديوان "غضبة الهبباي" لصلاح أحمد ابراهيم حتى استرددته بقوة وبسلطان سكرتير الحزب أستاذنا عبدا لخالق محجوب. وقد أخذت على الجريدة قبيل انقلاب الإنقاذ استعلاءها على التصحيح ممن أخطأت بحقهم مما يرسب في أعضاء الحزب عادة "السردبة" وهي من عادات الاستبداد.

إنني ميال لخروج الأحزاب من مهمة إصدار الصحف (سوي النشرات الخبرية المحدودة) جملة وتفصيلاً. ورأيي أن تترك الأحزاب حبل أفكارها على غارب الصحافة السيارة. فالصحف العادية لن تقصر في نشر بياناتها ومواقفها كما يقتضي واجب وخلق المهنة. كما أنها لن تعدم صحيفة أو قلماً في صحيفة ممن يشايعونها بذكاء واستقلال. ولذا نجد الصحف المملوكة لغير الأحزاب في الدول الديمقراطية توصف باليمينية أو يسار الوسط او الوسط او اليسارية مما يدمغها بلون حزبي اختارته طوعاً وباستقلال عن آلية الحزب الذي إليه نسبت.

وإذا نظرنا في خبرتنا الوطنية رأينا أنه ما تزال أنجح الصحف الاسلامية واليسارية هي تلك التي لم تكن "لسان حال" أياً من الجبهة القومية أو الحزب الشيوعي. فالخدمة التي قدمتها جريدة "الصراحة" لليسار تقصر عنها حتى الميدان. ويمكن أن نقول إن مساهمة "الأيام" في بلورة الفكرة اليسارية أذكي كثيراً عن تلك التي في الميدان. ومن الجهة الأخرى فجريدة "ألوان" ظلت مدرسة فريدة في الترويج لفكرة الحركة الإسلامية بما لم تستطعه الراية او مشتقاتها الكثيرة.

وعماد نجاح هذه الصحف المستقلة في الترويج لفكرة سياسية معينة هو استقلالها نفسه. فهي حرة في الأفكار التي تعبر عنها غير مجبورة بخط حزب أو رقابة أعضاء حزب أو مركزه. فهي تراوح بين قوس قزح الفكرة وتأذن بالخلاف غير مأمورة لا من حيث المادة ولا الأسلوب. وقد نبهني الي هذا المعني المرحوم عبد الله رجب، محرر الصراحة الغراء حقاً، حين زرته في 1970 لأعرض عليه مشروعاً لإقامة معرض للصحافة الاشتراكية. فقد عبر عن إعتزازه بأنه لم يساوم في استقلال تحرير الجريدة عن الشيوعيين برغم أنهم كتابها وأكثر قرائها. وقارن لي ذلك ب" أخبار الإسبوع" للمرحوم عوض برير في الستينات. وكان عوض قد أسلم زمام الجريدة للشيوعيين بالكلية بعد إغلاق جريدة الميدان في 1965. ونقل لها الشيوعيون أدواء صحيفة لسان الحال بما في ذلك التصدع نتيجة إنقسام الحزب في 1970.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.